حاول برتران ديلانوي العمدة السابق للعاصمة الفرنسية باريس ألا يظهر بمظهر مقدم الدروس للمسؤولين المغاربة وهو يحاضر عن المدن الكبرى ونموذج الحكامة في تسييرها "لأن لكل بلد خصوصيته وتجربته" حسب قوله، إلا أن هذا لم يمنعه من التنبيه إلى أن تهميش الضواحي لصالح المدن الكبرى "سيؤدي إلى إحساس بالغبن والتمرد لدى سكان المناطق المهمشة".
عضو الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي حل مساء يوم الخميس ضيفا على معهد الدراسات العليا للتسيير HEM، تزامنا مع زيارة الوزير الأول الفرنسي مانويل فالس للمغرب، أكد أن فرنسا وقعت في خطأ "أتمنى ألا يقع فيه المغرب"، وهو الاهتمام بالمدن الكبرى على حساب بعض المناطق الصغيرة التي تحولت إلى مناطق مهمشة ومحرومة "وهو ما يفسر تصويت هذه المناطق المحرومة لليمين الفرنسي المتطرف" في إشارة منه إلى أن الحرمان لا يولد إلا التطرف وتبني أفكار متطرفة وعنصرية.
برتران ديلانوي الذي قضى أربع سنوات في منصب عمدة العاصمة الفرنسية وأشرف على برنامج إعادة التهيئة المجالية لباريس، شدد على أن كل مشروع تنموي لمدينة كبرى حتى تتحول إلى قطب حضاري يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن جميع المواطنين لهم الحق في العيش في ظروف مناسبة حتى وإن كانوا من ساكنة الضواحي، "فلا يجب أن يدفعوا ثمن أنهم يقطنون قرب المدن الكبرى بل يجب أن يتمتعوا بنفس الفرص التي يتمتع بها ساكنة المدن الكبرى دون تمييز".
ولخص المتحدث الفرنسي المفاتيح التي تظهر "الخصوصية المغربية" في ثلاثة سمات أساسية هي "التقاليد، العصرنة والاستقرار" معبرا عن ثقته "في قدرة الشعب المغربي على رفع تحدي التنمية"، ثقة عزاها إلى أن المغاربة "شعب مقبل على الحياة ويظهر أن لديه رغبة قوية في أن ينخرط في التطورات التي يعرفها العصر الحالي".
القيادي البارز في الحزب الاشتراكي الفرنسي قال إن صداقة تجمعه مع عمداء مدن مغربية كما هو الحال بالنسبة لعمدة الرباط فتح الله ولعلو، وعمدة مدينة الدار البيضاء محمد ساجيد، قبل أن يشدد على أن قبل الانطلاق في تهيئة أي مدينة كبيرة يجب "تحديد المسؤولين، ومن يقوم بماذا وعلى المواطن أن يعرف دور كل مسؤول في تهيئة المدينة" وذلك تجنبا لتعويم المسؤولية.
ولم يفت المحاضر الفرنسي أن يشير إلى دور المواطن خلال التحضير لتهيئة المدن الكبرى، مقدما المثال بالمدة التي استغرقتها المشاورات مع ممثلي ساكنة باريس قبل إطلاق المشروع "إذ تطلب الأمر سنوات من المشاورات".
كما أنه تم توزيع استمارات على المواطنين "وتلقينا 120 ألف استمارة حول آراء المواطنين وتصورهم لمدينتهم"، وعبر العمدة السابق عن قناعته بأنه "يجب على المسؤولين أن يقدموا للمواطنين مشروعا يعطيهم الأمل في مدينة أفضل وبأن الفوارق الاجتماعية ستتقلص مع هذه المشاريع"، وفي حال لم تنجح هذه المشاريع في إقناع المواطن "فلا يمكن أن تبلغ هدفها".
حديث المسؤول الفرنسي يأتي بعد أيام من إصدار المجلس الأعلى للحسابات تقارير صادمة عن اختلالات بالجملة تطبع تسيير العديد من المدن الكبرى كما هو الحال بالنسبة لمدينة الدار البيضاء، الرباط وفاس.

